في ظلّ تراجع نفوذ إيران التدريجي، يثير ما بدا أنه تحالف سني جديد يتشكّل في الشرق الأوسط، تقف تركيا في قلبه، ساعيةً إلى قيادة المنطقة وملمّحةً إلى إعادة النظر في الخيار النووي قلقًا في إسرائيل.
ووفقًا لتحليل أعده محلل شؤون الشرق الأوسط في مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية، نشرته وكالة الأنباء اليهودية (JNS)، أعرب كبار المسؤولين في إسرائيل عن قلقهم البالغ إزاء تنامي المكانة الإقليمية والدولية لتركيا.
وهي المكانة التي قال إنها تعززت بدعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وطموح أنقرة الواضح في وضع نفسها كقوة إقليمية قادرة على امتلاك أسلحة نووية، في ظل استشعارها المبكر بتآكل النظام الإيراني.
امتلاك تركيا لأسلحة نووية
وأثار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان علنًا احتمال امتلاك أسلحة نووية في عام 2019 عندما أعلن في تجمع لحزب العدالة والتنمية الحاكم، أن بلاده لديها تطلعات لامتلاك أسلحة نووية.
وقال أردوغان: "لا يمكننا قبول وضع تمتلك فيه القوى الكبرى أسلحة نووية بينما تُحرم تركيا من هذه القدرات". وأشار بشكل مباشر إلى إسرائيل، معتبرًا أن امتلاكها لمثل هذه الأسلحة يحميها من الضغوط الخارجية ويردع الخصوم.
وفي التاسع من فبراير 2026، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في مقابلة مع شبكة CNN، أن تركيا تدرس التداعيات الاستراتيجية الأوسع نطاقًا لانضمامها إلى سباق نووي إقليمي.
وبينما أكد فيدان أن تركيا لا تمتلك حاليًا أي برنامج أسلحة نووية نشط، وأنها لا تزال موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وصف القدرة النووية بأنها قضية استراتيجية رفيعة المستوى يجب دراستها في إطار "الصورة الأوسع".
وتركز تركيا حاليًا على بناء أولى محطاتها الثلاث المخطط لها للطاقة النووية المدنية، لكن المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين يزعمون أن أردوغان يتحرك بسرعة لتطويق إسرائيل دبلوماسيًا.
ووفقاً لهذه التقييمات، تعمل أنقرة على توحيد العالم السني، وتحويل الخصوم العرب السابقين، بما في ذلك مصر، إلى شركاء في تحالف أوسع يمكن أن يعيد توجيه الزخم الإقليمي ضد إسرائيل.
ويشيرون إلى أن الهدف هو استبدال "الجدار الناري الإيراني" بجدار دبلوماسي سني موحد يحيط بإسرائيل، مما يحد من قدرتها على المناورة ويعزلها سياسيًا.
حرب الظل
وبحسب التقرير، فإن أردوغان منخرط في أفريقيا فيما يصفه المسؤولون الإسرائيليون بأنه "حرب الظل"، وهي منافسة استراتيجية تمتد من ليبيا إلى السودان والصومال.
وبحسب ما ورد، تشعر تركيا ومصر والسعودية بالقلق إزاء اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وتنسق جهودها لتقييد حرية إسرائيل الاستراتيجية في منطقة البحر الأحمر.
وتشير مصادر دفاعية رفيعة المستوى إلى أن جزءًا كبيرًا من الشرق الأوسط ينظر الآن إلى ضعف إيران على أنه عملية لا رجعة فيها. وردًا على ذلك، يقوم محور سني واسع بإعادة تنظيم صفوفه لملء الفراغ الناشئ بين البحر الأحمر والخليج العربي.
وقال التقرير إن إسرائيل تجد نفسها هكذا في مواجهة بيئة أكثر تعقيدًا، حيث تواجه عدة دول سنية، بعضها معادية بشكل صريح، مع وجود تركيا في المقدمة.
وفي ظل هذا الوضع، قد تجد إسرائيل صعوبة متزايدة في ترجمة التفوق العسكري إلى مكاسب استراتيجية فورية.
تآكل الدور الإيراني
وعلى الرغم من رفض طهران الاستجابة لمطالب الرئيس الأمريكي فيما يتعلق ببرنامجها النووي ومشروع الصواريخ الباليستية ووكلائها الإقليميين، فقد رأى التقرير أن مكانتها الإقليمية تآكلت بشكل كبير منذ حرب الأيام الـ 12 في يونيو الماضي، بعد أن وتضررت مراكز قوتها في سوريا ولبنان وقطاع غزة بشدة، علاوة على معاناتها من أزمة اقتصادية عميقة، متفاقمة بسبب نقص المياه والغذاء. في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة فرض العقوبات عليها، مما يزيد الضغط المنهجي على النظام.
من الناحية العملية، رأى التقرير أن تحالفًا من الدول الإسلامية السنية يتشكل من المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وقطر وباكستان.
وترتبط بعض هذه الدول من خلال أطر التعاون العسكري. وهي تنسق مصالحها لمنع تجدد ترسيخ إيران لنفوذها، وتوسيع نفوذها في مسارح عمليات رئيسة مثل سوريا ولبنان والبحر الأحمر.
وأعرب كبار المسؤولين الدبلوماسيين الإسرائيليين عن قلق متزايد إزاء هذا التحالف الناشئ، على الرغم من أن العديد من أعضائه يحافظون على علاقات وثيقة مع واشنطن.
ويزعمون أن احتمالية التطبيع مع السعودية تتضاءل. فالرياض، التي كانت قد درست سابقاً الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام بجدية، اتخذت مؤخرًا موقفًا أكثر انتقادًا وصرامة تجاه إسرائيل، لا سيما في ضوء الحرب في غزة ورفض إسرائيل الالتزام بإقامة دولة فلسطينية.
وفي الأسابيع الأخيرة، دخلت المملكة العربية السعودية في نزاع علني غير مسبوق مع الإمارات العربية المتحدة بشأن التطورات في جنوب اليمن.
وكانت الإمارات في التطبيع مع إسرائيل، إلا أن هذه الخطوة أصبحت أقل شعبية في جميع أنحاء العالم العربي. وأدى ابتعاد السعودية عن إسرائيل، إلى حد ما، إلى عزل أبو ظبي نسبيًا، في حين جعل الرياض العنوان الرئيس في المجال السني.
وفي خضم حرب لم تُحسم في غزة، والجمود الذي يشهده المسار السياسي الفلسطيني، والسياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، أصبح اندماج إسرائيل في إطار إقليمي واسع أكثر تعقيدًا، كما يذكر التقرير.
عزلة الإمارات
وتشعر الإمارات العربية المتحدة، الشريك العربي الأبرز لإسرائيل، بدرجة من العزلة داخل العالم العربي.
ويشهد الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل استراتيجي. لا تزال إيران فاعلاً محوريًا، لكنها لم تعد القوة الوحيدة التي تحدد قواعد اللعبة الإقليمية. وبدلاً منها، يتشكل تحالف سني جديد، ساعيًا إلى صياغة نظام إقليمي جديد.
ويحذر كبار المسؤولين الأمنيين بإسرائيل من أنه إذا عملت السعودية وباكستان وتركيا بالتنسيق فيما بينها، فإن إسرائيل ستضطر إلى إعادة تقييم كل من عقيدتها العسكرية وحرية عملها.
وقد يكتسب أي تحرك إسرائيلي دلالة استراتيجية مختلفة إذا ما واجه ثلاث قوى سنية متحالفة. وحتى لو لم يكن التحالف موجهًا رسمًيً ضد إسرائيل، فإن وجوده بحد ذاته يقيد الحريات الدبلوماسية والعسكرية التي اعتادت عليها إسرائيل، بحسب التقرير.
دور باكستان
ويُعد دور باكستان بالغ الأهمية. فبصفتها دولة نووية قدمت ضمانات أمنية رسمية للمملكة العربية السعودية، فإن إسلام آباد تُغير ميزان التبعية الإقليمي.
وبدلاً من التقارب مع إسرائيل لبناء إطار دفاعي مشترك ضد إيران، يمكن للرياض الاعتماد على بنية قوة سنية داخلية ضمن فلكها الاستراتيجي الخاص، مما يقلل من حوافز السعودية لتعزيز التطبيع مع إسرائيل وقد يعقد العمليات الدبلوماسية التي بدأت تتشكل خلال العام الماضي.
كما أن هذه التطورات تضع إسرائيل على مسار تنافس متزايد مع تركيا، التي تستعد لتصبح قوة رائدة في البنية الإقليمية الناشئة.
وبإمكان أنقرة، التي تقود محور الإخوان المسلمين، استغلال هذا التحالف لتعميق نفوذها في جميع أنحاء العالم السني وفي الساحة الفلسطينية، مما يضيق هامش المناورة لإسرائيل مع دول الخليج ويوسع الفجوة الاستراتيجية بين تل أبيب وأنقرة، على ما يرى التحليل.
https://www.jns.org/emerging-sunni-coalition-is-a-strategic-threat-to-israe

